مجمع البحوث الاسلامية
546
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الفخر الرّازيّ : جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وفي نصبه وجهان : أحدهما : أنّه مفعول له ، وهو ظاهر تقديره : فعل بهم هذا ليقع جزاء وليجزون بأعمالهم ، وعلى هذا فيه « لطيفة » وهي أن تقول : المعنى أنّ هذا كلّه جزاء عملكم ، وأمّا الزّيادة فلا يدركها أحد منكم . وثانيهما : أنّه مصدر ، لأنّ الدّليل على أنّ كلّ ما يفعله اللّه فهو جزاء ، فكأنّه قال : تجزون جزاء ، وقوله : ( بِما كانُوا ) قد ذكرنا فائدته في سورة الطّور ، وهي أنّه تعالى قال في حقّ المؤمنين : جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وفي حقّ الكافرين : إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إشارة إلى أنّ العذاب عين جزاء ما فعلوا ، فلا زيادة عليهم ، والثّواب جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فلا يعطيهم اللّه عين عملهم ، بل يعطيهم بسبب عملهم ما يعطيهم ، والكافر يعطيه عين ما فعل ، فيكون فيه معنى مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها * وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وفيه مسائل : المسألة الأولى : أصوليّة : ذكرها الإمام فخر الدّين « 1 » رحمه اللّه في مواضع كثيرة ، ونحن نذكر بعضها ؛ فالأولى : قالت المعتزلة : هذا يدلّ على أن يقال : الثّواب على اللّه واجب ، لأنّ الجزاء لا يجوز المطالبة به . وقد أجاب عنه الإمام فخر الدّين رحمه اللّه بأجوبة كثيرة ، وأظنّ به أنّه لم يذكر ما أقوله فيه وهو ما ذكروه ، ولو صحّ لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة ؛ وذلك لأنّ العقل إذا حكم بأنّ ترك الجزاء قبيح ، وعلم بالعقل أنّ القبيح من اللّه لا يوجد ، علم أنّ اللّه يعطي هذه الأشياء لأنّها أجزية ، وإيصال الجزاء واجب . وأمّا إذا قلنا بمذهبنا فتكون الآيات مفيدة مبشّرة ، لأنّ البشارة لا تكون إلّا بالخبر عن أمر غير معلوم . لا يقال : الجزاء كان واجبا على اللّه ، وأمّا الخبر بهذه الأشياء فلا يذكرها مبشّرا . لأنّا نقول : إذا وجب نفس الجزاء فما أعطانا اللّه تعالى من النّعم في الدّنيا جزاء ، فثواب الآخرة لا يكون إلّا تفضّلا منه ، غاية ما في الباب أنّه تعالى كمّل النّعمة بقوله : « هذا جزاؤكم » أي جعلته لكم جزاء ، ولم يكن متعيّنا ولا واجبا ، كما أنّ الكريم إذا أعطى من جاء بشيء يسير شيئا كثيرا ، فيظنّ أنّه يودعه إيداعا أو يأمره بحمله إلى موضع ، فيقول له : « هذا لك » فيفرح ، ثمّ إنّه يقول : « هذا إنعام عظيم يوجب على خدمة كثيرة » فيقول له : « هذا جزاء ما أتيت به ، ولا أطلب منك على هذا خدمة ، فإن أتيت فلها ثواب جديد » فيكون هذا غاية الفضل . وعند هذا نقول : هذا كلّه إذا كان الآتي غير العبد ، وأمّا إذا فعل العبد ما أوجب عليه سيّده فلا يستحقّ عليه أجرا ولا سيّما إذا أتى بما أمر به على نوع اختلال ، فما ظنّك بحالنا مع اللّه عزّ وجلّ ؟ مع أنّ السّيّد لا يملك من عبده إلّا البنية ، واللّه يملك منّا أنفسنا وأجسامنا . ثمّ إنّك إذا تفكّرت في مذهب أهل السّنّة تجدهم قد حقّقوا معنى العبوديّة غاية التّحقيق ، واعترفوا أنّهم عبيد لا يملكون شيئا ، ولا يجب للعبد على السّيّد دين ، والمعتزلة لم يحقّقوا العبوديّة ، وجعلوا بينهم وبين اللّه
--> ( 1 ) هذا وما بعده كلام بعض تلاميذه أو من تأخّر عنهم نقلا عن الرّازيّ .